الزراعة المستدامة
رجوع
جائزة الغذاء العالمية ٢٠١٣
منحت جائزة الغذاء العالمية هذا العام إلى ثلاثة علماء متميزين في مجال تقنيات الحياء الزراعي. مارك فان مونتاغو من بلجيكا، وماري ديل تشيلتون وروبرت تي فراي من الولايات المتحدة، تقديراً لأبحاثهم المستقلة في مجال إنتاج وتطبيق وتطوير سلالات المحاصيل ذات الإنتاجية الأعلى، ومقاومة أكبر للآفات والأمراض، وتحمل أفضل للظروف البيئية القاسية. وقد أعلن عن استحقامهم لهذه الجائزة، إذ طور هؤلاء العلماء بشكل مستقل علم تقنيات الحياء الزراعي، وفتحوا الأبواب أمام تحسين المنتجات الزراعية، مما أوجد الأساس لتغذية المزيد من الأشخاص بشكل مستدام.
خبز الجوع والربيع العربي
تُقام جائزة الغذاء العالمية كل عام احتفالاً بمن يساهمون في تحسين جودة وكمية الغذاء، أو بعبارة أخرى، أمن الغذاء. تجمع هذه الحفلة التي تُقام سنوياً نخبة القادة والرؤساء البارزين في العالم في مجال الزراعة والغذاء والتنمية، عُقدت عام ٢٠١١ في مدينة دى موينز بولاية آيوا بالولايات المتحدة، وأُعلن عن الفائزين بها، وهم الرئيس الغاني الأسبق جون كوفور، والرئيس البرازيلي الأسبق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا. وخلال هذا الحدث، ألقى مايك ماك، الرئيس التنفيذي لشركة سينجنتا، كلمة أشار فيها إلى رؤيته بشتحديات الغذاء العالمية. والآتي خلاصة لكلمة مايك ماك، والمقال الذي نُشر لاحقاً في نسخة أوروبا من صحيفة وال ستريت جورنال.
أعلنت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)، أن سوق المواد الغذائية شهد في الأشهر الأخيرة قدراً أكبر من الهدوء، لكنها حذرت أيضاً من أن الأسعار ستظل هشة جداً. هل نقص المنتجات الزراعية عالمياً والعنف السياسي الناتج عنه يمثلان قاعدة عالمية جديدة؟ هل سيتحدي جوع التحديات الأجيال القادمة؟ كيف تبدو آفاق الزراعة والتنمية في مختلف مناطق العالم؟ ربما يمكن تسمية التحديات القادمة بـ "الحياة على حافة السيف". والحقيقة أن الأحداث التي شهدها العقد الماضي أثبتت أنه إذا ارتفعت أسعار المواد الغذائية فجأة فوق قدرة الناس على شرائها، فلن يتمكن الناس من توفير طعام كافٍ على مائدة طعامهم، وبعبارة أخرى، إذا لم تشبع بطونهم، فمن المرجح أن تزداد الاضطرابات الاجتماعية.
الشكل ١- لقد غيّرت الاضطرابات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل كبير الهياكل السياسية لدول هذه المنطقة. يؤكد المدير التنفيذي لشركة سينجنتا على دور تضخم الأسعار في هذا الصدد.
عندما كانت الأسعار المرتفعة للمواد الغذائية محفزاً للاحتجاجات في عامي ٢٠٠٧ و٢٠٠٨، فسرها العديد من المحللين كأحداث عارضة، ولكن بعد انخفاض الأسعار لفترة قصيرة، عاد التضخم مرة أخرى إلى سوق المنتجات الغذائية وبلغ ذروته بنسبة ٣٢٪ في النصف الثاني من عام ٢٠١٠. يبدو أن ارتفاع الأسعار كان أحد العوامل المؤثرة في الثورات العربية. في الجزائر، بعد ارتفاع أسعار المواد الغذائية في يناير، اجتمع حشود من الناس بعد أن أحرقوا مبانٍ حكومية وكسروا أبواب مستودع وسرقوا أكياس الدقيق. احتجاجات الخبز التي وقعت بعد ارتفاع سعر القمح هزت مصر.
الآن، لا يعتقد أحد أن مستوى الأسارات سيعود إلى ما كان عليه قبل عام ٢٠٠٧. في الواقع، أعلنت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) في تقريرها الأخير أن ارتفاع الأسارات سيستمر لفترة زمنية طويلة. الضغوط المتزايدة التي تمارسها أسعار المواد الغذائية ستدفعنا قريباً إلى نفس الوضع الذي كنا فيه خلال الاحتجاجات العالمية عام ٢٠٠٨ واحتجاجات عام ٢٠١٠.
الشكل ٢- مسار تفاقم الاضطرابات الاجتماعية في دول الشرق الأوسط وأفريقيا وعلاقتها بمسار تغيرات مؤشر أسعار الغذاء
بالطبع، الدول التي قدِّمت فيها الثورات تختلف، لكنها جميعاً تعد من الدول الفقيرة، ويُصرف سكان هذه الدول نسبة كبيرة من دخل الأسرة لشراء المواد الغذائية. يجعلهم هذا الأمر عرضة للتضخم في أسعار المواد الغذائية. لكن المشكلة الرئيسية في هذه الدول هي انخفاض إنتاج المزارعين الصغار.
كمثال، في الجزائر، متوسط إنتاج المحاصيل الزراعية هو 2 طن فقط للهكتار. قارنوا هذا المبلغ بمتوسط الإنتاج في فرنسا، الذي يزيد عن 7 أطنان للهكتار. لا يُنسب هذا الفجوة في حجم الإنتاج إلى المناخ أو التربة. في بعض المحاصيل مثل العنب، والبصل، والبطاطس، والزيتون، والحمضيات، تكون المحاصيل المنتجة في الجزائر مساوية أو أفضل من أنواعها الفرنسية. يبدو أن الجزائر والدول الأفريقية الأخرى يجب أن تتحرك في هذا الاتجاه، وتوجِّه مزارعيها نحو استخدام التكنولوجيا من خلال الحلول التنظيمية والأدوات التجارية. ولكن هل معنى ذلك في دولة حيث يُصرف ٥٣٪ من دخل الأسرة لشراء المواد الغذائية، أن يكون الوصول إلى التمويلات الإنتاجية ذا معنى؟
في موزمبيق، التي عانت من ثورات عنيفة في وقت واحد مع الأزمة الغذائية الأخيرة، وفقاً لإحصائيات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، ٤٦٪ من مساحة البلاد مناسبة للزراعة، لكن فقط ١٤٪ من هذه المساحة تستخدم. في المناطق الريفية حيث يكون إنتاج المحاصيل الزراعية أقل من طن للفدان، فإن عائلات المزارعين أيضاً هم من المستهلكين للمواد الغذائية.
في الدول النامية، تم توفير مجال تطبيق التكنولوجيا لزيادة الإنتاج منذ سنوات عديدة، ولكن، النقاش اليومي في الزراعة العالمية لا يركز على تحسين الإنتاج الزراعي، بل إن السياسيين يناقشون قضايا تافهة، ويُولى تطوير التكنولوجيا الزراعية اهتماماً قليلاً جداً. تتطلب مواضيع حيوية اهتمامنا الأكبر، ولم يتم حل عدم استقرار سوق المواد الغذائية العالمية. مع تزايد الشهية العالمية، ينخفض الإنتاج، لذلك من الضروري اتخاذ إجراء. في هذا الصدد، يكتسب تحسين الإنتاج الزراعي المستدام أهمية خاصة.
بشکل کلی، المزارعون الصغار يتحملون مسؤولية توفير الغذاء لثلث سكان العالم، وهو عدد من السكان يكون أكثر عرضة للخطر من غيرهم. يحتاج المجتمع الدولي إلى تعزيز كفاءة الإنتاج لدى هؤلاء المزارعين الصغار وتحويلهم إلى ملاك شركات تجارية.
الكلمة المفتاحية هنا هي الشركة التجارية. المقصود هو تمكينهم من إنشاء مشاريع تجارية مربحة ومستدامة من مزارعهم. يجب اتخاذ مجموعة من الإجراءات الأولية، مثل تجميع المزارعين الصغار، منحهم وصولاً إلى التقنيات الجديدة، وفي نفس الوقت توفير آليات اقتصادية جديدة لتمويل رأس المال وتقليل المخاطر. تشمل المواضيع الأخرى التي يجب أن توليها اهتماماً القضايا المتعلقة بالتأمين، وسلسلة الدعم، وإدارة المخاطر، والتقنيات المتوافقة مع الأسواق المحلية.
وبذلك، عندما يحصل هؤلاء المزارعون على دخل كافٍ، يمكنهم إنفاق الأموال على التعليم والصحة لأطفالهم، وبالتالي توسيع أعمالهم، وفي النهاية المساهمة في تقدم وتطور بلادهم. لدى الحكومات، والمنظمات غير الحكومية، وأعضاء هيئة التدريس في الجامعات والمعاهد البحثية أدوار خاصة في هذا الشأن.
كما أن انضمام ملاك المزارع الصغيرة إلى الأسواق العالمية سيكون أمراً مهماً. يجب على المجتمع الدولية أن يقوم بدوره في دعم تنمية الزراعة وفتح الأسواق العالمية أمام المنتجات التي يمكن أن تكون مصدراً جديداً للعالم الجائع. الاستثمار في المزارعين الصغار أكثر من كونه ضرورة إنسانية؛ إنه أمر ضروري للأمن العالمية ويمثل فرصة لتحويل مورد قديم غير مستقر إلى محرر للنجاح والسلام.